محمد هادي معرفة
389
التمهيد في علوم القرآن
الاستعارة المصرّح بها ( لأنّه ذكر المشبّه به وطوى ذكر المشبّه ) ثم قرنه بما يلائم المشبّه ، وهو اللسان ، فكان تجريدا أيضا . وعلى أيّة حال فهذا من بليغ الكلام وبديعه ، إمّا استعارة تخييلية وترشيح ، أو مصرّح بها وتجريد . وليس من التشبيه المضمر الأداة ، كما زعمه ابن الأثير . قال : والرابع : يرد على وجه الفعل والفاعل ، كما في قوله تعالى : وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ « 1 » . قال : وتقدير أداة التشبيه في هذا الموضع أن يقال : هم في إيمانهم كالمتبوّئي دارا ، أي أنهم قد اتّخذوا الإيمان مسكنا يسكنونه ، يصف بذلك تمكّنهم منه . قال : وهذا القسم الرابع والقسم الخامس الآتي هما أشكل الأقسام في تقدير أداة التشبيه ، فإنّهما لا يتفطّن لهما أنهما تشبيه . لكنّ الآية - على خلاف ما زعمه - استعارة ومن ألطف أنواعها بأن جعل الايمان باللّه من آمن المواطن يأوي إليه المؤمن بسلام . قال الشريف الرضي : وهذه الآية استعارة ، لأنّ تبوّؤ الدار هو استيطانها والتمكّن فيها ، ولا يصحّ حمل ذلك على حقيقته في الإيمان ، فلا بدّ إذن من حمله على المجاز والاتّساع ، فيكون المعنى أنّهم استقرّوا في الإيمان كاستقرارهم في الأوطان . وهذا من صميم البلاغة ولباب الفصاحة ، وقد زاد اللفظ المستعار هاهنا معنى الكلام رونقا ، ألا ترى كم بين قولنا : استقرّوا في الإيمان ، وبين قولنا : تبوّءوا الإيمان . وأنا أقول أبدا : إنّ الألفاظ خدم للمعاني لأنها تعمل في تحسين معارضها وتنميق مطالعها « 2 » .
--> ( 1 ) الحشر : 9 . ( 2 ) تلخيص البيان في مجازات القرآن : ص 244 .